من هم الجنّ ولماذا سُمّوا بذلك
الجنّ خلقٌ من خلق الله تعالى، وقد اشتُقّ اسمهم في اللغة العربية من الاستتار والخفاء، إذ إنّ أصل الفعل "جَنَّ" يعني ستَر وأخفى، ومنه الجنين لاستتاره في البطن، والجنّة لتكاثف أشجارها. وسُمّي هذا العالم بالجنّ لأنّه محجوبٌ عن حواسّ الإنسان في الأصل. وهم أمّةٌ مكلَّفة بالعبادة، فيهم الذكر والأنثى، ويتناكحون ويتناسلون ويأكلون ويشربون ويموتون. وقد أفرد القرآن الكريم سورةً كاملةً باسمهم هي سورة الجنّ، تحكي إيمان طائفةٍ منهم حين استمعوا إلى القرآن، ما يدلّ على أنّهم مخاطبون بالرسالة كالبشر.
خلق الجنّ من نار السموم
دلّت النصوص على أنّ أصل خلق الجنّ من النار، خلافًا للإنسان المخلوق من طين. قال الله تعالى في سورة الحِجر: "وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ"، ونار السَّموم هي النار الشديدة الحرارة النافذة في المسامّ. وجاء في صحيح مسلم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "خُلِقَت الملائكة من نور، وخُلِقَ الجانّ من مارجٍ من نار، وخُلِقَ آدم ممّا وُصِف لكم". وقد بيّن العلماء كابن كثير في تفسيره أنّ خلقهم من النار سابقٌ في الزمن على خلق آدم عليه السلام. هذا الأصل الناريّ يفسّر خفّتهم وسرعة حركتهم وقدرتهم على التشكّل، دون أن يعني ذلك أنّهم نارٌ محضة في كلّ أحوالهم.
عالم الجنّ وطبيعة حياتهم
عالم الجنّ عالمٌ موازٍ يعيش على الأرض معنا، لكنّه محجوبٌ عن الإبصار في الأحوال المعتادة. يتميّز الجنّ بالقدرة على التنقّل السريع والتشكّل في صورٍ مختلفة، وقد ورد أنّهم يسكنون الخرِبات والأماكن المهجورة والصحارى. وهم أممٌ وقبائل، تختلف عقولهم وقدراتهم كما يختلف البشر، فمنهم القويّ والضعيف والعالم والجاهل. وأعمارهم أطول من أعمار الإنس في الغالب. ومن المهمّ التمييز بين ما ثبت بالنصّ الصحيح عن عالمهم وبين ما نُسج حوله من قصصٍ شعبية ومبالغات لا سند لها، فالأصل الاقتصار على ما جاء في الكتاب والسنّة.
أصناف الجنّ: المؤمن والكافر
ينقسم الجنّ من حيث الدين إلى مؤمنين وكافرين، تمامًا كالإنس. فمنهم من آمن بالله واتّبع رسله، ومنهم من كفر وعصى. وقد حكى القرآن على لسانهم في سورة الجنّ قولهم: "وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ"، أي منهم المسلمون العادلون ومنهم الجائرون المنحرفون. والجنّ مكلَّفون بأصول الشريعة، يُثابون على الطاعة ويُعاقَبون على المعصية، ويدخل مؤمنهم الجنّة ويدخل كافرهم النار. وهذا التقسيم يصحّح تصوّرًا شائعًا يجعل الجنّ كلّهم أشرارًا، بينما الحقيقة أنّ فيهم الصالح والطالح كسائر الأمم المكلَّفة.
الفرق بين الجنّ والشياطين وإبليس
كثيرًا ما يُخلَط بين الجنّ والشياطين، والصواب أنّ الشيطان وصفٌ لكلّ متمرّدٍ عاتٍ من الجنّ، فكلّ شيطانٍ جنّيّ، وليس كلّ جنّيٍّ شيطانًا. أمّا إبليس فهو أصل الشياطين، وقد بيّن القرآن أنّه "كان من الجنّ ففسق عن أمر ربّه" حين أبى السجود لآدم استكبارًا. والشياطين هم عصاة الجنّ الذين نصّبوا أنفسهم لإغواء الإنسان ووسوسته وصدّه عن الحقّ. لذلك فإنّ العداوة بين الإنس وشياطين الجنّ عداوةٌ دينية قديمة، بينما لا يلزم من وجود الجنّ أن يكونوا جميعًا في عداءٍ مع البشر.
علاقة الإنس والجنّ والوقاية المشروعة
العلاقة بين الإنس والجنّ محكومةٌ بحدود الشرع، والأصل ألّا انشغال للمسلم بهم إلّا بقدر ما يحفظ به نفسه. وقد نهى الإسلام عن الاستعانة بالجنّ أو اللجوء إليهم، لأنّ ذلك بابٌ للانحراف والشرك، كما قال تعالى: "وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا". والوقاية المشروعة تكون بالتحصّن بذكر الله وقراءة القرآن، ولا سيّما آية الكرسي والمعوّذتين، والمحافظة على أذكار الصباح والمساء والنوم. وينبغي عند الشعور بأي أذًى أن يُلتمس التفسير الطبيعي والطبّي أوّلًا، وأن تُترك المعالجة لأهل العلم الموثوقين دون الوقوع في يد الدجّالين والمشعوذين.










